الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

302

نفحات الولاية

أو أصحاب النهروان الذين سقطوا في فخ الشيطان ، إلّاأنّها لا تقتصر عليهم البتة ، بل هي رسالة واضحة ( لكافة الأفراد من أجل مراقبة الشيطان وعدم فسح المجال أمامه . فقد تكفّلت الخطبة بتبيين المراحل التي يعقبها تسلل الشيطان في أتباعه ، حيث شرحها الإمام عليه السلام بما عرف عنه من فصاحة وبلاغة وتشبيه رائع بحيث لا يمكن تقديم صورة فنية أروع من تلك التي رسمها الإمام عليه السلام . فقد أشار في المرحلة الأولى إلى أنّ هذا التسلل والنفوذ إلى الإنسان إختيارى ولا يمت بصلة إلى الاجبار . فالإنسان هو الذي يعطيه الضوء الأخضر ويدعه يلجه ويتصرف بوجوده حتى يجعله ملاكاً ومعياراً لنشاطاته وفعالياته « اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكاً » . فملاك من مادة ملك بمعنى أساس الشيء ودعامته ، كأن يقال القلب ملاك البدن ، أي أن أساس وقوام البدن هو القلب وهذا هو الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم بوضوح على لسان آياته « إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ » « 1 » . بناءاً على هذا فالعبارة المذكورة كالآيات القرآنية بمثابة رد على أولئك الذين يتساءلون عن سلطة الشيطان على بني آدم فيقولون : كيف سلط اللَّه سبحانه هذا المخلوق الخطير على الإنسان ثم طالبه بعدم اتباعه . فالعبارة تقول أنّ الشيطان لايخترق الجدران غيلة ، بل يأتي من الباب ويطرقها فان فتح له ولج وإلّا عاد من حيث أتى . صحيح أنّه يصر على طرق الباب دون الشعور بالكلل والملل ، لكن بالمقابل هنالك الملائكة الذين يهبون لنجدة الإنسان ويحذروه من مغبة فتح الباب . ثم أشار في المرحلة الثانية إلى الانتخاب الذي يتولاه الشيطان بعد ذلك الانتخاب حيث يصطفى هؤلاء كاعوان وشركاء « واتخذهم له اشراكاً » « 2 » ثم وضح عليه السلام ذلك بقوله : « فباض وفرخ في صدورهم » « 3 » . فالإمام عليه السلام يشبه صدور تبعة الشيطان بعش إبليس الذي يبيض فيه ويفرخ . ثم قال عليه السلام : « ودب ودرج في حجورهم » . صرّح بعض شرّاح نهج البلاغة بان دب من مادة الدبيب بمعنى الحركة البطيئة الضعيفة ، والدرج الحركة الأقوى منها كحركات الطفل في حضن

--> ( 1 ) سورة النحل / 99 - 100 . ( 2 ) « اشراك » جمع « شريك » و « شَرَك » بمعنى افتح ويحتمل المعنيان في العبارة المذكورة ، وقد اختار كل شارح من شرّاح نهج البلاغة أحد هذين المعنيين . ( 3 ) لقد استهلت العبارة بفاء التفريع لبيان شرحها للعبارة السابقة .